منتـــــــــــــــتدى النجـــــــــــــــلاء شعر لايعترف بقانون


منتـــــــــدى-النجــــــــلاء-شعـــــــري-ادبــــــي-ثقافـــــي-علمــــي-اخبـــــار-ترفيــــــه
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجنه ونعيمها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الرومانسيه
مشــــــرفه
مشــــــرفه
avatar

عدد المساهمات : 211
نشاطي بالمنتدى : 22758
تقييم العضو 5 تاريخ التسجيل : 06/11/2011

مُساهمةموضوع: الجنه ونعيمها   الأحد ديسمبر 18, 2011 6:42 pm

الحمد لله الذي وسع كرسيّه الأرض والسموات، من دلت على وجوده الآيات، الذي خلق الليل والنهار والأنوار والظلمات، سبحانه لا شبيه له ولا يوصف بجهة من الجهات، والصلاة على سيدنا محمد سيد السادات، وفخر الكائنات، وعلى ءاله وصحبه وعلى من تبعهم باحسان مع أشرف التسليمات، رزقنا الله اتباعهم الى الممات، وجمعنا معهم فيما أعد للمتقين من الدرجات.
يقول الله تبارك تعالى في القرءان الكريم: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأعراف).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله سبحانه وتعالى يقول لأهل الجنّة: يا أهل الجنّة، فيقولون لبيّك ربَّنا وسعديك والخير كله في يديك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون يا ربنا وأي شىء أفضل من ذلك فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا" رواه البخاري.
أما بعد:
فانه يسرنا أن نضع بين يدي القارئ كتابًا أسميناه "الجنّة ونعيمها" هو في وصف الجنّة التي أعدّها الله لعباده المؤمنين، عسى أن يكون هذا الكتاب دافعًا للإسراع والثبات على الطاعة أملاً أن نكون من أهل تلك الدار التي جاء في وصفها في الحديث القدسيّ: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" فهي التي تستحق أن يعمل لها كل جهد وأن يتنافس عليها قال تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾.
فإننا نسأل اللهَ العظيم أن يجعلنا من أهل تلك الدار إنه على ما يشاء قدير وبعباده لطيف خبير.

الجنّة دار السلام

الجنّة حقّ أي وجودها ثابت، وهي مخلوقة الآن ولها ثمانية أبواب منها باب الريان الذي يدخل منه الصائمون، وكذا شهيد المعركة فإنّه يُخيّر من أي أبواب الجنّة شاء أن يدخل، والجنّة فوق السماء السابعة منفصلة عنها بمسافة بعيدة ولها أرضها المستقلة وسقفها عرش الرحمن كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: "إذا سألتم الله الجنّة فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنّة وأعلى الجنّة وفوقه عرش الرحمن".
وأهل الجنّة على صورة أبيهم ءادم ستون ذراع طولاً في عرض سبعة أذرع حِسان الوجوه، فمن كان في الدنيا من المؤمنين دميمًا تذهب عنه دمامته، يجعله الله تعالى في الجنّة كجمال يوسف الصدّيق عليه السلام، أي يعطيه شبهًا بيوسف الصدّيق في الجمال، والذي كان قصيرًا يذهب عنه قصره. ويجعل اللهُ تعالى في كل واحد علامة تميزه عن غيره أن هذا هو فلان حتى إن زاره من كان يعرفه في الدنيا يعرفه تلك الساعة، فإن أهل الجنّة يتزاورون وتزاورهم يحصل إما بأن يطير بالشخص سريره حتى ينزل به أمام سرير الذي يريد زيارته فيجلسان متقابلين لأنه من سهولة السير هناك السرير الذي عليه الشخص بمجرد اشتياقه لصاحبه الذي يريد رؤيته يطير به بقدرة الله تعالى حتى ينزل به أمام سرير ذلك الشخص فيتجالسان ويتحدثان، ثم يطير به إذا أراد الرجوع إلى منزله وهذا هو معنى الآية: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴾ (سورة الحجر). وأما قوله تعالى: ﴿ فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ (سورة الغاشية) قال ابن عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها أصحابها تواضعت لهم حتى يجلسوا عليها، ثم ترتفع إلى موضعها، وأحيانا يركبون خيولاً من ياقوت لها أجنحة من ذهب تطير بهم.
وأهل الجنّة جرد مرد بِيض في عمر ثلاثة وثلاثين عامًا، لا تنبت لهم لحية وليس على أذرعتهم ولا على بطونهم ولا على سيقانهم شعر إلا شعر الرأس والحاجب والأهداب، ثم إنَّ طعامهم وشرابهم لا يتحول إلى الغائط والبول، إنما يفيض من جسمهم عرقًا كالمسك ليس كعرق الدنيا، عرق الدنيا يتولد منه الوسخ والقمل وغير ذلك.
وقد روى مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ ينادي مناد: إنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكُم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا"، وءاخر من يدخل الجنّة من المؤمنين له مثل الدنيا وعشرة أمثالها. وقد ورد ذلك في حديث صحيح رواه البخاري وغيره.
الواحد من أهل الجنّة أقلّ ما يكون عنده من الولدان المخلدين عشرة ءالاف، بإحدى يدي كلّ منهم صحيفة من ذهب وبالأخرى صحيفةٌ من فضة قال تعالى:﴿ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ (سورة الزخرف) والأكواب جمع كوب وهو إناء مستدير لا عروة له أي لا أذن له. وقال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ﴾ (سورة الطور) أي يطوف للخدمة غلمان كأنهم من الحسن والبياض لؤلؤ مكنون أي لم تمسه الأيدي. ومما جاء أيضًا في وصفها ما رواه ابن حبان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"هي وربّ الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطّرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبدي في حُبرة ونضرة".

في بداية الحديث يقول النبيّ عليه الصلاة والسلام لأصحابه:"هل مشمر للجنّة، فإن الجنّة لا خطر لها"، أي لا مثل لها، وقوله عليه الصلاة والسلام:"هي وربّ الكعبة" أي أقسم بربّ الكعبة بأنّها نور يتلألأ أي فلا تحتاج إلى شمسٍ ولا قمرٍ، لا ظلام فيها هناك كما في الدنيا، لكن مقدار الليل والنهار يُعرف بعلامة جعلها الله فيها، إذا كانت المرأة من نساء الجنّة كما نعتها رسولُ الله ووصفها بحيث لو اطّلعت على هذه الدنيا لأضاءت ما بين المشرق والمغرب فمن أين يكون فيها ظلام، ولو كانت أعين أهل الجنّة بنسبة قوتها اليوم لعمي أهل الجنّة من عظم نور الجنّة، لكن الله يعطيهم قوّة أضعاف أضعاف أضعاف ما جعلها في أعينهم اليوم، قوّتها اليوم نسبة ضئيلة كنسبة النقطة من البحر، الله أعطى أبصارهم قوّة بحيث تستطيع أن ترى مسافة ألف سنة كأنّها كفّ، يرونها رؤية ليس فيها اشتباه.

ووصفها صلى الله عليه وسلم بأنها "ريحانة تهتز"، أي ذات خضرة كثيرة يانعة أي معجبة المنظر، وليس هناك مواسم للثّمار بل في أيّ وقت ما تشتهيه تجده فقد قال الله تعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ﴾ ( سورة الواقعة/۳۳) فإذا كان المؤمن جالسًا أو مستلقيًا فاشتهى أن يأكل من شجرة من أشجار الجنّة مالت إليه ليأخذ منها ما يريد ثمّ تعود كما كانت، وقد أنبت الله فيها بدل الذي أخذ منها، ثمّ إنّ كلّ شجرةٍ في الجنّة ساقها من ذهب، وأشجار الجنّة لما تتحرّك يصدر لها صوت جميل جدًّا تميل إليه النفوس، ومما جاء أيضًا ما رواه البخاريّ أنّه يوجد في الجنّة شجرة اسمها طُوبى يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها تتفتّق بثياب أهل الجنّة أي يخرج منها ثياب لأهل الجنّة يلبسونها، فثيابهم جميلة جدًّا منها الحرير والسّندس والإستبرق، ومجامرهم الألوّة أي العود وأمشاطهم الذهب، وكلام أهل الجنّة عربي، يذكرون الله ويسبّحونه ويقرأون القرءان أما الصلاة فلا يصلّون.
وفي الحديث أيضًا وصف الجنة بأنها "قصر مشيد" أي فيها قصور عالية مرتفعة في الهواء، ويؤيده ما ورد في الحديث أنّ للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة واحدة طولها في السماء ستون ميلاً، وفي الجنة جنّتان ءانيتهما وما فيهما من ذهب، يسكنهما المقرّبون، وهناك أيضًا جنتان من فضة ءانيتهما وما فيهما. وقد ورد في الحديث الصحيح أنّ الجنّة منها ما بناؤه لبنُ ذهب ولبنُ فضة، وهي كما قال رسول الله:"جنان كثيرةٌ" رواه البخاري. وكذلك يوجد في الجنة غرف يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها.

وقوله عليه السلام "نهر مطرِد" أي أنهار جارية لا تكلّف تعبًا بالتناول منها، لأنها ليست في وهاد عميقة بل هي جارية على وجهها على وجه أرض الجنة، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ (سورة محمد/۱۵) فالماء الذي في الجنة ألذّ من ماء الدنيا بكثير، واللبن المذكور في الآية المراد به الحليب وهوغير الحليب الذي تخرجه الأنعام في الدنيا وألذّ منه بكثير، والخمر الذي هناك لا يُسكر ولا يغيّب العقل ولا يصدع الرأس وليس مرّ الطّعم بل هو لذيذ الطعم جدًّا، والعسل الذي هناك غير العسل الذي تخرجه النحل وألذ منه بكثير. فالأسماء متفقة والصفات مختلفة.

وقوله عليه السلام "وفاكهة نضيجة" أي أنّ فيها من الفواكه كلّ ما تشتهيه النفس، وكل ما فيها من الفواكه نضيج. وفي الجنة أيضًا طيور وغنم، وقد وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :"إنّك لتنظر إلى الطّير في الجنّة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويًا"، ثم بعدما يأكله المؤمن يعيده الله كما كان فيطير.

وأما قوله عليه السلام "وزوجة حسناء جميلة" فتفسيره ما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم :"لكلّ امرئ منهم زوجتان من الحور العين" وهذا الحديث صحيح متفق عليه، والحور العين نساء أهل الجنة من غير الإنس خُلقن خلقًا من غير توالد إكرامًا للمؤمنين، والحورُ جمع حوْراء والعِينُ جمع عَيناء، والحورُ من الحور وهو شدّة بياض العين وشدّة سوادها، وأما العِين فمعناه واسعات العيون، وقد قال الله تعالى في وصفهن :{كأنهنَّ الياقوت والمرجان} وهنّ خيرات حِسان أزواج قوم كرام. والواحدة منهن من شدة صفاء عظمها يُرى مخّ ساقها من خلال الجلد وذلك من شدة جمالها.
وورد في الحديث الصحيح أيضًا الذي رواه الضياء المقدسي في المختارة :"أنّ الرجل من أهل الجنّة ليطوف في الغداة الواحدة على مائة عذراء". وجاء في الحديث الصحيح أنّ الشهيد له اثنتان وسبعون زوجة، ثم سائر أهل الجنة على مراتب منهم من عنده مائة من النساء، في الجنّة الله يعطي الواحد من الرجال قوة مائة رجل في الشهوة، وكذلك في الأكل والشّرب، ولا يصيب المؤمن فتور عقب الجماع ولا ينزل منه منيّ لأن الجنّة ليس فيها ذلك ولكن يحس باللّذّة دون نزول المنيّ.
وقد ثبت في الحديث أن نساء أهل الجنة على رءوسهن خُمُر، الدنيا وما فيها لا تساوي الخمار الذي يلبسنه نساء أهل الجنّة، وهن يلبسن الخمار تجملاً زيادة في الحسن، والخمار ما تغطي النساء به رءوسهنّ.
ونساء الجنّة أبكار أي كلما أتى المؤمن زوجته منهن وجدها بكرًا، ثم مع كثرة أزواج أهل الجنّة لا يحصل بين نسائهم تباغض وغيرة وتحاسد وتنافر وتحاقد لأنّ الله يطهّر قلوب أهل الجنّة من ذلك، الله جعل قلوب أهل الجنّة كقلب شخص واحد. أما النساء المؤمنات من بنات ءادم اللاتي ما كنّ متزوجات في الدنيا، الله تعالى يزوّجهنّ من هؤلاء البشر، ومن كانت متزوجة تعود لزوجها إن ماتت في نكاحه. المرأة يجعل الله فيها القناعة وطمأنينة النفس في الزوج الواحد. بل تكون مسرورة بزوج واحد مكتفية به راضية بما أعطاها الله، والمؤمنة التقيّة من بنات ءادم أفضل عند الله من الحور العين مقامًا.

وليس في الجنة عزبٌ ولا عَزبة بل كلهم يتزوّجون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما في الجنّة أعزَب" رواه مسلم.
وقوله عليه السلام في الحديث المذكور: "في مقام أبديّ" أي في حياة دائمة لا نهاية لها.
وقوله: "في حُبرة"، أي سرور دائم، معناه أنهم في بحبوحة عيش أي أن عيشهم واسع لا يصيبهم فيها ضيق وكذلك لا ينامون لأنهم لا يشعرون بتعب جسماني، ملأ الله نفوسهم سرورًا فلا يجد النومُ مجالاً إليهم.
وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم :"نضرة" فمعناه أن وجوه أهلها ناضرة أي جميلة لأنهم ليس عليهم فيها كآبة. وليعلم أنّ أعظم نعيم أهل الجنّة هو رؤيتهم لذات الله عزّ وجلّ، فليس شىءٌ أحبّ إلى أهل الجنّة من رؤية الله، يرونه بلا كيف ولا مكان ولا جهة، الأولياء يرونه كلّ يوم مرتين أما سائر المؤمنين ففي الأسبوع مرّة.
وفي نهاية هذا الحديث قال الصحابة لرسول الله :"نحن المشمّرون يا رسول الله"، فقال: "قولوا إن شاء الله"، ليعلمهم التفويض إلى الله في أمورهم كلّها، الإنسان لا ينبغي أن يركن إلى نفسه بل اعتماده على ربه، فمن أراد ذلك النعيم المقيم فليتق الله بتأديته الواجبات واجتناب المحرمات. فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة فقال :"أطعم الطعام، وصل الأرحام وصلّ باللّيل والنّاس نيام تدخل الجنّة بسلام" ففي هذا الحديث بيان أن من أخذ بهذه الخصال دخل الجنة بدون عذاب. أما إطعام الطعام فإنه يحصل به الثواب في إطعام المسلم والكافر لأن الله تبارك وتعالى أثنى على الذين يطعمون الطعام يريدون وجهه الكريم فقال :{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (سورة الانسان) يعني بالأسير الكافر، فليس إطعام الطعام مقصورًا على المسلم، بل يكون فيه أجر وثواب لمن أطعم الكافر أيضًا. فهنيئًا لمن عمل لآخرته فإنّ نعيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة كَلاَ شىء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه (وأشار أحدهم بالسبابة) في اليمّ فلينظر بم يرجع" رواه مسلم، ومعناه هذا البلل الذي يعلق بالإصبع ماذا يكون بالنّسبة لِعِظم البحر؟ كلا شىء. وقد جاء في الحديث :"موضع سوط أحدكم من الجنّة خير من الدنيا وما عليها" رواه البخاري. السوط هو الآلة التي تستعمل للضرب تكون غالبًا من الجلد، أي أن المساحة التي يأخذها السوط إذا وضع على الأرض من الجنة خير من الدنيا وما فيها.
ومن خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم أنه هو أول من يأخذ بحلقةِ بابِ الجنة (أي يحركها) يستفتح فيقول المَلَك خازن الجنّة الموكّل ببابها: من؟ فيقول:"محمّد"، فيقول المَلَك :"بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك" رواه مسلم.
وأمّة محمّد فيهم سبعون ألفًا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنّة دفعة واحدة بلا حساب ولا عقاب وهؤلاء هم الأولياء الصالحون من عباد الله، ويليهم أناس وجوههم كأشد كوكب درّيّ مع كل ألف من السبعين ألفًا المذكورين سبعون ألفًا مثلهم يدخلون الجنّة بلا حساب ولا عقاب، ومعهم زيادة عليهم لا يعلم مقدارهم إلا الله يدخلون الجنّة أيضًا بلا حساب ولا عقاب.
ومن خصائص هذه الأمة ما ورد في الصحيح من قوله عليه السلام :"نحن الآخرون السّابقون" رواه البخاري، أي الآخرون وجودًا بين الأمم، السّابقون دخولاً الجنّة.

رؤية الله تعالى في الآخرة
أعظم نعيم أهل الجنة

قال الله تعالى في محكم التنزيل :{إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)} (سورة الإنسان) وقال عز وجل :{وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (13)} (سورة الإنسان) وقال تعالى :{وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)} (سورة الواقعة) وقال تعالى :{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19)} (سورة الإنسان) ويقول تعالى :{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} (سورة القيامة) وقد استدل الشافعي محمد بن إدريس رحمه الله بقوله تعالى :{كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)} (سورة المطففين) إخبارًا عن الكفار بأن المؤمنين يرون الله عز وجل، فإذا كان الكفار حُجبوا عن الرؤية فإن الرؤيةَ ثابتة للمؤمنين بقوله عز وجل :{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} فهذه الآية أيضًا فيها إثبات رؤية المؤمنين لله عز وجل، وقد روى مسلم رحمه الله تعالى أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم قال :"إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنَّةَ يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم: فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم عز وجلَّ".
فالله تعالى خلق العباد منهم المؤمن ومنهم الكافر، وقد أعدّ للكافرين عذابًا أليمًا وهيّأ للمؤمنين العيش الرغيد والنعيم المقيم، وقد وعد الله عباده المؤمنين الصالحين دخول الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأكبرُ وأعظمُ نعمة يُعطاها العبد في الجنة رؤية ذات الله المقدس، أما في هذه الدنيا الفانية فقد حجب الله عنا ذلك. والكافر لا يرى الله لا في الدنيا ولا في الآخرة لأنه كفَرَ ولم يؤمن بالله تبارك وتعالى.

الله لا يشبه المخلوقات

إن رؤية المؤمنين لله تعالى وهم في الجنة تكون بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة ولا مسافة قُرب أو بُعد ولا كيفية ولا حجم ولا لون، يرون اللهَ الذي لا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يكون عليهم في هذه الرؤية اشتباه ولا أدنى شكٍ هل الذي رأوه هو الله أو غيرهُ كما لا يشك مبصرُ القمر ليلة البدر ليس دونه سحابٌ أن الذي رءاه هو القمر؛ ففي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إنَّكم سترون ربَّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تُضامون في رؤيته" رواه مسلم.
فقد شبَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم رؤيتنا لله تعالى من حيثُ عدمُ الشكّ برؤيتنا للقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، ولم يشبه اللهَ تعالى بالقمر؛ فإن كثيرًا من الجهال إذا ذُكر أمامهم هذا الحديث يتوهمون أن اللهَ يشبه القمر والعياذ بالله، وقد صرح بعض العوامّ بذلك، وهذا من سفه الكلام وكفر بالله العظيم، فحاشى أن يكون الله شبيهًا للقمر أو لغيره من المخلوقات وهو الذي وصف نفسه في القرءان الكريم فقال عز وجل :{ليس كمثله شىء} أي أن الله لا يشبه شيئًا من خلقه ولا يشبهه شىء من خلقه.
واعلم أنّه لا يجوز تفسير {ناظرة} في قوله تعالى :{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} بنظر التفكر والاعتبار بخلافه في قوله تعالى :{أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)} (سورة الغاشية) لأن الدنيا دار عمل والآخرة دار حساب، وكذلك لا يجوزُ أن يكون بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى :{مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} لأنه لا يجوزُ تأويل النصّ أي إخراجُه عن ظاهره لغير دليل عقليّ قاطع أو سمْعيّ ثابت كما قال الرازيّ في المحصول، ولأنه ليس في شىء من أمر الجنة انتظارٌ، بل ينال المرءُ فيها ما تشتهيه نفسُهُ بدون انتظار لأن هذا الانتظار الوارد في هذه الآية معه تنغيص وتكدير. والآية {إلى ربّها ناظرة} خرجت مخرج البشارة للمؤمنين، وأهل الجنة ممكَّنون مما أرادوا وقادرون عليه، فإذا خطر ببالهم شىء حصلوا عليه مع خطوره ببالهم.

الدليل على جواز رؤية الله في الآخرة

ومما يدل على أن الله عز وجل يُرى بالأبصار قول الله حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام :{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} (سورة الأعراف) فلأنه لا يجوز أن يكون نبيّ من الأنبياء قد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه مما عصم منه المرسلين يسأل ربَّه ما يستحيل عليه؛ فقد علمنا من ذلك أن سيدنا موسى عليه السلام لم يسأل ربَّه مستحيلاً وأن الرؤيةَ جائزة، والدليل على ذلك قول الله تعالى لموسى عليه السلام :{فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} (سورة الأعراف) فلما كان الله قادرًا على أن يجعل الجبل مستقرًّا كان قادرًا على أن يمكّن نبيَّه موسى من أن يراه، فدل ذلك على أن الله قادر على أن يُري نفسَه عبادَه المؤمنين، فقوله تعالى لموسى :{لن تراني} أراد به في الدنيا دون الآخرة بدليل قوله تعالى :{فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}، أما عن الآخرة فقد قال عز وجل :{تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ}. فالتحية مع اللقاء يعطي معنى الرؤية، يرون الله وهم في الجنة، أما الله تعالى فمنزه عن المكان.
وليس معنى اللقاء في هذه الآية اجتماعهم بالله لأن الله تعالى لا يوصف بالجسم بل بمعنى الرؤية لله حالَ كونِ المؤمنين في الجنة. وأما قول الله عز وجل :{للَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} فالمرادُ بالحسنى جنة النعيم، والزيادة فسرها الرسول الأكرم برؤية الله تبارك وتعالى، وقد روى مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :"لن يرى أحدٌ منكم ربَّه عز وجل حتى يموتَ".
واعلم أن ما أثبتَه الله تعالى في القرءانِ وجاء بهِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم حقّه التسليم والقَبول، ومن ذلك رؤية الله عز وجل الذي لا يشبه شيئًا، ولا مُسوغ لنفي رؤية الله بعد قول رسول الله :"إنَّكم سترونَ ربَّكم"، وهذا زيادة في التكريم للمؤمنين في الجنة، ولكن ليس كرؤيتنا لبعضنا وليس اجتماعًا بالله كاجتماع المصلين بإمامهم في المسجد، لأن الله تعالى يستحيل عليه السكنى في مكان، قال سيدنا الإمام مالك رحمه الله :"لا يُرى الباقي (يعني الله) بالعين الفانية وإنما يُرى بالعين الباقية في الآخرة" أي أن عيون أهل الجنة لا يلحقها الفناء لأنهم لا يموتون أبد الآبدين.
ورحم اللهُ الغزاليَّ الذي قال في كتابه "قواعد العقائد" في موضوع الرؤية :"العلم بأنه تعالى مع كونه منزهًا عن الصورة والمقدار، مقدّسًا عن الجهات والأقطار، مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار القرار لقوله تعالى :{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} ولا يُرى في الدنيا لقوله تعالى :{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}. ولقوله تعالى لموسى عليه السلام :{لن تراني}، فما أجهلَ المعتزلةَ لنفيهم رؤية الله تعالى، وليت شِعري كيف عرف المعتزلي من صفات رب الأرباب بزعمه ما جهله موسى عليه السلام؟ وكيف سأل موسى عليه السلام الرؤية إذا كانت محالاً؟!" انتهى.
وأما وجه إجراء ءاية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال، فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة، جاز تعلق الرؤية به وليس في جهة، وكما يجوز أن يَرى اللهُ تعالى الخلقَ وهو ليس في مقابلتهم جاز أن يراه الخلقُ من غير مقابلة. وكما جاز أن يُعلمَ من غير كيفية وصورة، جاز أن يُرى من غير كيفية وصورة.

خلود أهل الجنة فيها

الجنة دار الخلود الأبدي والنعيم المقيم الذي لا يزول، فلا انقطاع لنعيمها ولا موت لأهلها. والجنة مخلوقة ولكن الله تعالى شاء لها البقاء، وكذلك النار مخلوقة والله شاء لها البقاء، فلا يجوز عليهما شرعًا الفناء فهما باقيتان، قال الله تعالى :{وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} (سورة البقرة) وتكثر الآيات التي فيها إثبات خلود الجنة وأهلها في القرءان الكريم، فمن ذلك قوله تعالى :{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)} (سورة الحديد).
ويقول ربنا الكريم :{لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)} (سورة الدخان).
ويخبرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم مفصّلاً ومبينًا خلودَ الجنة وأهلها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إذا صارَ أهل الجنةِ إلى الجنة وأهلُ النار إلى النار جيء بالموتِ حتى يجعلَ بين الجنةِ والنار ثم يُذبح ثم يُنادي منادٍ: يا أهلَ الجنةِ لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهلُ الجنةِ فرحًا إلى فرحهم، ويزدادُ أهلُ النارِ حزنًا إلى حزنهم" رواه البخاري.
وروى البخاريّ أيضًا في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم :"يُقال لأهل الجنة: يا أهل الجنةِ خلود لا موت، ولأهل النار: يا أهل النار خلودٌ لا موت".
ومما يدل أيضًا على ما قدمناه من الحديث الصحيح ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من يدخل الجنةَ ينعمُ لا يبأسُ، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه". قال المُناويُّ عقِبَه في كتابه "فيض القدير" ما نصه :"وهذا صريح في أن الجنة أبدية لا تفنى والنار مثلها" انتهى.
أما الإجماع فهو منعقد على بقاء الجنة والنار، وقد ذكر الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في رسالته "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" فقال ما نصه :"فإن اعتقاد المسلمين أن الجنة والنار لا تفنيان، وقد نقل أبو محمد بن حزم الإجماع على ذلك وأن من خالفه كافر بالإجماع ولا شك في ذلك، فإنه معلوم من الدين بالضرورة، وتواردت الأدلة عليه" انتهى.
وقال أيضًا ما نصه :"أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفًا عن سلف عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو مركوز في فطرة المسلمين معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك، من رد ذلك فهو كافر".
وليُعلم أن الجنة مخلوقة الآن موجودة باقية لا تفنى ولا يفنى أهلها، وأنَّه يستدل على وجود الجنة بقصة ءادم وحواء وإسكانهما الجنة، وأما حمل ذلك على بستان من بساتين الدنيا فهو من قبيل التلاعب بالدين وهو مخالف لإجماع المسلمين، لأن الجنة والنار موجودتان، وإن ءادم وحواء سكنا في الجنة التي وُعِد المؤمنون أن يسكنوها في الآخرة. والجنة والنار دائمتان لا يطرأ عليهما عدَمٌ مستمرٌ ولا غيرُ مستمر لقوله تعالى في حق الفريقين المؤمنين والكافرين :{خالدين فيها أبدًا} (سورة المائدة).
ومما يدلّ على أنها مخلوقة قولُه تَعالى :{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} (سورة ءال عمران)، فوصف عرضها، والعرض لا يكون إلا لمخلوق فأما المعدوم فلا عرض له، وأخبر أنها أعدت للمتقين، والمُعدَّةُ لا تكون إلا مخلوقة.
وكذلك ما ورد في صحيح البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"قالَ اللهُ عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أُذُن سمعت ولا خطر على قلب بشر" قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى :{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} (سورة السجدة).
وكذلك ما رواه النسائيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"دخلتُ الجنَّةَ فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء".
وليعلم أن الجنة والنار باقيتان بإبقاء الله فبقاؤهما ليس بقاء ذاتيًّا لأن الجنة والنار حادثتان والحادث لا يكون باقيًا لذاته، فبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما بل لأن الله تعالى شاء لهما البقاء.

ما يقال لأهل الجنة
عند دخولها

يقول الله عز وجل :{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} (سورة الزمر) أي جماعات جماعات فلا يصيبهم ما يصيب غيرهم من الذين يحاسبون حسابًا عسيرًا، بل يكونون في أمن وأمان إلى أن يصلوا إلى الجنة، فقد ورد عن سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال :"حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقِها عينان تجريان فعمدوا إلى إحداهما كأنما أُمروا به فشربوا منها فأذهب الله ما في بطونهم من أذى أو بأس، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها، فجَرتْ عليهم نَضرةُ النعيم".. إلى أن قال رضي الله عنه :"ثم انتهوا إلى الجنة فقالوا سلام عليكم طبتُم فادخلوها خالدين".
ويقول الله تعالى :{وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23)} (سورة الرعد).
فما أحلاه من لقاء وما أعظمه من استقبال، فالملائكةُ عليهم السلام يستقبلون المؤمنين بالتحية من الله تعالى، يبشّرونهم بما أعدّه الله لهم ولمن ءامن وصلح من ءابائهم وأزواجهم وأهليهم.
ونكمل ما ورد عن سيدنا عليّ رضي الله عنه فيقول :"ثم تلقاهم الولدان المخلدون فيطوفون كما يطوف أهل الدنيا بالحميم الذي قدِم عليهم من غيبته فيقولون له: أبشر، أعدّ الله لك من الكرامة كذا وكذا، ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول: قد جاء فلان باسمه الذي كان يُدعى به في الدنيا، قالت: أنتَ رأيتَه؟ فيقول: أنا رأيتُه وهو بإثري، فيستخف بإحداهن الفرح حتى تقوم على أُسْكُفَّةِ (أي عتبة) بابها، فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بُنيانه فإذا جَندَل اللؤلؤ فوقه صرحٌ أخضر وأحمر وأصفر من كل لون، ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا به يلمع كالبرق، ثم طأطأ رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزَرابيُّ مبثوثة ثم ينادي منادٍ: تحيون فلا تموتون أبدًا، وتقيمون فلا تظْعَنونَ أبدًا" انتهى.

نعيم الجنة

الله سبحانه وتعالى هو الذي يوفّق المؤمن وييسر له سبل الخير والرشاد، فالدخول إلى الجنة يستوجب العمل لها، والعمل للجنة محفوف بالمكاره، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"حُفّت الجنةُ بالمكارهِ وحُفَّت النار بالشهوات" رواه الترمذيّ. ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث :"قال العلماء هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعِه التي أوتيَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من التمثّل الحَسن ومعناه: أن الجنة والنار محجوبتان، فمَنْ هتَكَ الحِجابَ وصل إلى المحجوبِ، وهتْكُ حِجابِ الجنةِ يكون باقتحامِ المكارهِ أي الأمورِ التي لا تميلُ النفسُ إليها عادةً بطبعِها، وهتكُ حجابِ النارِ بارتكابِ الشهواتِ المحرَّمة.
وأما المكارهُ فيدخُلُ فيها الاجتهادُ في العباداتِ والمواظبةُ عليها والصبرُ على مشاقّها وكظْمُ الغيطِ والعفو والحِلم والصدقة، والإحسانُ إلى المسيء والصبر عن الشهوات ونحو ذلك.
وأما الشهوات التي حفّت النار بها فهي الشهوات المحرّمة كالخمر والزنا والغيبة واستعمال ءالات اللهو المحرمة ونحو ذلك.
أما الشهوات المباحة فلا تدخُل ضمن هذه، ولكن ينبغي التقليلُ منها خوفًا من أن ينشغل بها الإنسان عن الطاعات، أو تجره هذه المباحات إلى محرمات.
ويقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم :"لمَّا خلقَ اللهُ الجنةَ والنار، أرسل جبريل عليه السلام إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددتُ لأهلها فيها، فنظر إليها فرجع فقال: وعزّتِك لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها، فأمر بها فحفّت بالمكاره، فقال: اذهب إليها فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فإذا هي قد حُفّت بالمكاره، فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب فانظر إلى النار وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فإذا هي يركبُ بعضها بعضًا، فرجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد، فأمر بها فحفّت بالشهوات فقال: ارجع فانظر إليها، فنظر إليها فإذا هي قد حفت بالشهوات فرجع وقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها" رواه النسائيّ.

حجم الجنّة

يقول اللهُ تبارك وتعالى :{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} (سورة ءال عمران) ويقول عز وجل :{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)} (سورة الحديد) والمرادُ بالعرض هنا السَّعة وليس العرض الذي يخالف الطول، فيقال: بلاد عريضة أي واسعة.
ولا تحيط أفهامنا وعقولنا بكبر الجنة، إذ ورد عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إنّي لأعلم ءاخرَ أهل النار خروجًا منها وءاخر أهل الجنّة دخولاً الجنة رجل يخرجُ من النار حبوًا فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنَّة فيأتيها فيخيّل إليه أنّها ملأى فيرجع فيقول: يا ربّ وجدتها ملأى، فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربّ وجدتها ملأى، فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إنَّ لك مثل عشرة أمثال الدنيا" متفق عليه.
فإن كان أقلّ مسلم في الجنّة له كالدنيا وعشرة أمثالها فكيف بالأنبياء والأولياء والصالحين؟ ثم إن الجنة مع ضخامة حجمها ستمتلىء بأهلها أهل الجنة المتنعمين، وكذلك النار ستمتلىء؛ فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول :"احتجَّت النار والجنة (أي تشاجرتا بالكلام وليس محالاً أن يخلق الله في الجنة إدراكًا بلا روح وفي النار كذلك) فقالت هذه (أي النار) يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت هذه (أي الجنة): يدخلني الضعفاء والمساكين. فقال الله عز وجل لهذه (أي النار): أنت عذابي أعذّب بكِ من أشاء، وقال لهذه (أي الجنة): أنت رحمتي أرحمُ بكِ من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها" رواه مسلم.
وأما مكان الجنة فهو فوق السماء السابعة وسقفها عرش الرحمن، ولقد رءاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء معراجه إلى السماء ودخل إليها، ورأى بعض ما فيها من نعيم الله وثوابه وما هيأ للمؤمنين فيها.

تربة الجنة وحائطها

ورد في الحديث الشريف عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :"الجنَّةُ لبِنةٌ من ذهب ولبنَةٌ من فضة ترابها زعفران وطيبُها مسك" رواه الترمذيُّ وغيره. وقد ورد أن ابن صياد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تربة الجنة فقال :"دَرْمَكَةٌ بيضاء مسك خالص" رواه مسلم، أي بيضاء نقية وإن أحجار الجنة وحصباءها لَهِيَ يواقيت مشعة بالنور تزيد من ضياء الجنة، وإن الحجرَ الأسود الذي هو على إحدى زوايا الكعبة المعظمةِ أُنزِل من الجنةِ ياقوتة بيضاء ولكن لتمسُّح أهل الشرك والأوثان به اسودَّ لونُه وذهب نورُه. وكذلك فإن حجر إبراهيم أنزل من الجنة وكان هذا الحجر يصعد عليه سيدنا إبراهيم أثناء بناء الكعبة مع سيدنا إسماعيل فيرفعُه الحَجَرُ كلما انتهى سيدنا إبراهيم من صفٍ إلى ءاخر، وما زال هذا الحجر في الأرض يُزار.
وقد ورد في وصف أرض الجنة أنها من وَرِقٍ أي فضة، ترابُها مسك، وأصول شجرها ذهب، وورق أغصانها اللؤلؤ والزبرجد والورق والثمار والشجر بين ذلك، فمن أكل قائمًا لم يؤذه، ومن أكل مضطجعًا لم يؤذه، ومن أكل جالسًا لم يؤذه، وذلك معنى قول الله تعالى :{وذلّلت قطوفها تذليلاً} وتتلاحق أوصاف أرض الجنة، فعن أبي هريرة قال: قلنا يا رسول الله أخبرنا عن الجنة ما بناؤها، قال :"لبِنَة من فضة ولبنة من ذهب ومِلاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، مَن دخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم" رواه الترمذي.
والجنّة هي جِرمٌ عظيمُ الحجم حقيقيٌّ موجود لا شكَّ فيه وهو متماسك شأن باقي الأجرام العلوية كالسموات السبع، فهي أجرام حقيقية متماسكة ليست هواء وغيومًا، بل سماء ثابتة لا تتحرك يسكنها الملائكة ويعبدون الله تعالى فيها. وقد ورد في القرءان الكريم أنه تجري على أرض الجنة أنهار عظيمة، وكذلك ورد في بعض أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام أنه توجَدُ تِلالٌ صغيرةٌ من مسك.
ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في وصف الجنة :"فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم من دني على كثبان المسك والكافور وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا" رواه الترمذيّ.

الجنةُ وريحها ونورها

إن الله سبحانه وتعالى خلق الجنة ومرافقها وأنهارها وأشجارها ونعيمها وجعل بها أنواعًا كثيرة من النعيم المقيم، وكل ما فيها يسرُّ ويفرح الناظرين المسلمين، ومن جملة النعيم لقاءات أهلَ الجنة فيما بينهم. فقد روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إن في الجنة لسُوقًا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالاً فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالاً فيقول لهم أهلوهم: واللهِ لقد ازددتُم بعدنا حسنًا وجمالاً، فيقولون: وأنتم واللهِ لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالاً".
فالسوقُ هنا ليس محل البيع والشراء، بل المراد به مجتمع من مجتمعات أهل الجنة يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في أسواقها، أي يعرض فيها الأشياء على أهلها فيأخذ كل منهم ما أراد من التحف والهدايا وسائر النعم يأتونها كل جمعة أي أسبوع لأنه لا يوجد شمس ولا قمر في الجنة فيعرف الإبكار والعشي بعلامة، فتهب عليهم ريح الشمال محركة من مسك الجنة، فيزدادون حُسنًا وجمالاً ورقَّة، ويعودون إلى أهلهم الذين يفرحون بهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالاً. وهذه الأعطار المسكية العابقة في الجنة تصيب جميع أهلها فيكون الجو منعشًا مؤنسًا.
وقد ورد أن الأنوار في الجنة منها ما يأتي من أهلها أنفسهم، فالرجال وجوههم كالبدور ومنهم مَن هو أشد من ذلك نورًا وجمالاً ومنهم من هو أقل من ذلك، والنساء كذلك، والحور العين اللاتي لو اطلعت إحداهنّ على الدنيا لحجبت نور الشمس بضوئها، زيادة على الولدان المخلدين وجواهر الجنة ويواقيتها وزبرجدها، فكل ما في الجنة وَضّاء مشرق يفوق ما عهدناه في الدنيا من أنوار، وهذا من جملة النعيم الذي أعده الله تعالى مما تشتهيه الأنفس وتسرّ به الأعين وتراه، إضافة إلى مستلذات السمع، وشمّ الروائح الجميلة.

أشجار الجنّة وثمارها وظلالها

لقد جعل الله سبحانه وتعالى في الجنّة من أسباب النعيم والملذات وأسباب الراحة ما يُسعد المؤمنين ويسرّ ويريح نفوسهم. فقد ذكر الله الأشجارَ وثمارها وظلالها في القرءان الكريم بآيات بينات تركن إليها نفوس المؤمنين وتطمئن، يقول ربنا سبحانه وتعالى :{إنَّ المتقين في ظلال وعيون} ويقول تعالى :{هُم وأزواجهُم في ظلال على الأرائِك متكئون} فهناك في دار النعيم أشجار عظيمة إذ ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :"إنَّ في الجنَّة لَشَجَرَةً يسيرُ الراكبُ في ظلّها مائةَ عام لا يقطعها" رواه البخاريّ فاقرأوا إن شئتم {وظلٍ ممدود}.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن الله عز وجل ينفعنا بالأعراب ومسائلهم، أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله عز وجل في القرءان شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"وما هي؟" قال: السّدْر، فإن لها شوكًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يقول الله عز وجل {في سدر مخضود}، يخضد الله شوكه (أي يقلع) فيجعل الله مكانَ كل شوكة ثمرةً، فإنها تنبت ثمرًا" ومِن كَرَم الله تعالى أن جعل كل شجر الجنة سيقانها من ذهب.
وجاء في وصف ما لأهل الجنة من ثمار يأكلونها تلذذًا وليس جوعًا ما ورد في قوله تعالى :{فيهما فاكهة ورمان} (سورة الرحمن/68) يقول ابن عباس في تفسيرها: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكرانيفها ذهب أحمر (والكرانيف هي أصول السّعف) وسَعَفها، وثمرُ الجنةِ أمثالُ القلال، وأشدّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وأليَنُ من الزبد، وثمار أشجرا الجنة كما قال عنها ربنا {لا مقطوعة ولا ممنوعة}، أي لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان ولا تنقطع إذا جُنيت، ولا تُمنع إذا أُريدت.

ويقول ربنا سبحانه وتعالى :{وذللت قطوفها تذليلاً} (سورة الإنسان/14) أي أن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قيامًا ومضطجعين على أي حال شاؤوا. وتبيانًا لتنوع الثمار في الجنة يقول ربنا سبحانه وتعالى :{كلما رُزقوا من ثمره رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأُتُوا به متشابهًا} (سورة البقرة/25).
أي أن ثمر الجنة إذا جُني خَلَفَه مثلُه، فإذا رأوا ما خلف الثمر المجنيَّ اشتبه عليهم فقالوا: هذا الذي رزقنا من قبل. وثمر الجنة متشابه بالجودة وهو يشبه ثمار الدنيا بالاسم غير أنه أحسن منه في المنظر والطعم والحجم.

مساكن وقصور الجنة

جعل ربنا سبحانه وتعالى في الجنة مساكن وقصورًا إكرامًا لعباده المتقين فيقول :{وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58)} (سورة العنكبوت).
فللمؤمنين منازل وغرف رفيعة البنيان متينة الأسس وفيها أزواجهم وما يشتهونه من نعيم. ولتبيان جمال هذه الغرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إنَّ أهل الجنّة ليتراءون في الغرفة كما تتراءون الكوكب الشرقيّ أو الكوكب الغربيّ الغارب في الأفق والطالع في تفاضل الدرجات" فقالوا: يا رسول الله أولئك النبيون؟ قال :"بلى والذي نفسي بيده وأقوامٌ ءامنوا بالله ورسوله وصدّقوا المرسلين" رواه الترمذيّ. فمن زادت طاعته زاد نعيمه في الآخرة ومن سعى حقَّ السعي كان له ما أحبّ في الآخرة.
وليس كل أهل الجنّة على درجة واحدة، بل تتفاوتُ درجاتُ أهلها حسَب الأعمال والطاعات، فهناك القصورُ والمنازل والغرف والخيام، فأدناها عظيم جميل المنظر فكيف بأعلاها. يقول الله سبحانه وتعالى :{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ (20)} (سورة الزمر)، أي هناك منازل رفيع في الجنة ومنازل أرفع منها. ومنها ما هو من لؤلؤة واحدة مجوفة ضخمة، ومنه ما هو مبنيّ من لبنات الذهب والفضة.
وأهل الجنّة أول ما يدخلونها يَعرِفون منازلَهم، قال ربنا تعالى :{ويدخلُهُم الجنة عرَّفَها لهم} أي يُدخلهم الله الجنةَ عرَّفها وبينَّها لهم حتى إن الرجلَ ليأتي منزلَه منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله من الدنيا لا يُشكلُ عليه ذلك.
ومساكن وغرف الجنة ليست كالتي في الدنيا، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :"إن في الجنَّة غرفًا يُرى ظاهرُها من باطنها وباطنُها من ظاهرِها" فقال أبو مالكٍ الأشعريّ: لمن يا رسول الله؟ قال :"لمن أطابَ الكلامَ وأطعم الطعام وبات قائمًا والناسُ نيام" رواه أحمد.

خيام أهل الجنة

لقد رغب ربنا سبحانه وتعالى وحثّ على عمل الخير والطاعات في ءايات كثيرة، وبيّن جزاء ذلك في الجنة. ونعيم الجنة يتفاوت بين درجاتها، ورغم التفاوت، فالكل في نعيم مقيم.
ومن النعيم الذي أعده الله تعالى في الجنة الخيام، فقد أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :"إن للمؤمن في الجنة لَخَيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا" متفق عليه.
فانظر يا أخي المسلم كم حجم الخيمة التي هي من لؤلؤة واحدة ولا يوجد مثلُها في الدنيا أو ما يُقاربها.
والخيمة متسعة الأقطارِ لاتساعِ جوفها، وله فيها أهلون من نسائه والحورِ العين. وهذا الأمر الذي نذكره ما هو إلا جزء من النعيم في الجنة الذي يتنعم به المتنعمون من أهلها الذين عندما يدخلونها لا يتمنى أحدهم العودة إلى الدنيا سوى نوع واحد من المؤمنين ألا وهم الشهداء، فقد ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما من أحد يدخل الجنّة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شىء غير الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة".
فالذي يدخل الجنة ينسى عذاب الدنيا ومصائبها وهمومها ومصاعبها، ويرتاح في جنات النعيم ولو كان أدناهم منزلة.

أنهار الجنة

إن الله تعالى قد أعدّ من جملة ما أعدّه لعباده المؤمنين في دار السلام في الجنّة أنهارًا عظيمة غير التي نراها في الدنيا، يقول ربنا تبارك وتعالى :{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِم} (سورة محمد).
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال :"إنّ في الجنَّة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد" رواه الترمذيّ.
في الجنّة أنهار كثيرة تجري على وجه أرض الجنة في غير أخدود، أي ليس هناك شقوق في أرضها بل على وجهها، فلا تُكلّف تعبًا بالتناول منها، وأهل الجنّة يشربو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الجنه ونعيمها
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتـــــــــــــــتدى النجـــــــــــــــلاء شعر لايعترف بقانون :: الاقســـــــــــــــــــا م العــــــــــــــــا مـــــــة :: المنتــــــــــدى الاســـــــــلامـــــي(منتدى النجـــــــــــــلاء)-
انتقل الى: